
.
يعيشك، ماحلاك … كلمات لطالما شنفت مسامعي و أنا صغيرة في أحاديث بعض أفراد أسرتي، تعجبني رنتها وتبعث بداخلي حنينا لم أكن أعرف سببه أو مصدره، حتى أدركت يوما أني أحمل جينات تونسية لأن جدتي هي ابنة رجل قيرواني اختار يوما أن يحط الرحال بالمغرب و يستقربه و ينشئ أسرته من زوجة مغربية، فظل يحمل حب البلدين في قلبه، بلد ولد به و بلد دفن فيه. ورث أبناؤه سره فأعطوا الكثير للمغرب و حملوا في قلوبهم عشقا لتونس، فمنهم من تزوج منها و منهم من درس بها
هكذا كانت تونس حاضرة في كياني رغم أني لم أزرها قط، إلى أن دعيت لحضور أشغال مؤتمر عن المرأة…نعم، المرأة، كانت صدفة جميلة أن أزور تونس لأول مرة وأن يكون موضوع المؤتمر عن المرأة رغم أني لا أؤمن بالصدف، فكل ما يتجسد في حياتنا كان ليكون، له معنى و له مغزى، و له إشارات تسبق حدوثه…المرأة
عادت بي ذاكرتي وأنا في طريقي لتونس إلى طفولتي، لأستعيد لحظات انبهار بامرأة كانت عنوانا، لدى كل أفراد الأسرة، للرقي و الأناقة والأدب و الحكمة، كانت تتقن فن العيش و كانت تونسية، هي زوجة خال والدتي و كان لها دور كبير في تماسك الأسرة الكبيرة و الحفاظ على صلة الرحم، كنت أعشق لقائها لأسمع منها عبارات الترحيب الرنانة، وعبارات الإطراء و التشجيع المرفقة بابتسامة تبعث الأمل، ونظرات تقدير لم تكن تبخل بها على أحد أيا كانت مكانته
عندما نزور بلدا لأول مرة تكون لدينا انتظارات تجعلنا نتوقع الاختلاف في كل شيء، نتوقع أن هدا الاختلاف لن ينحصر في اللغة، أو اللكنة، بل نتوقع كل أنواع الاختلاف، بدءا من الأجساد إلى أدق تفاصيل الحياة العامة، و هدا غالبا ما نجد
لكن الأمر لم يكن كذلك هده المرة، وجدت نفس الملامح على وجوه الناس، نفس الشوارع و الأزقة و نفس البقايا لمعالم عمرانية شاهدة على التاريخ. لم أشعر قط أني في بلد غير بلدي، و لمست معنى ما يقوله الكثيرون، أننا شعب واحد، تفرق بيننا الحدود، و تجمعنا أمور شتى.
اختلست سويعات لأرى فيها كل ما يمكنني رؤيته في زيارة خاطفة، لا أتخيل العودة إلى بلدي دون أن أنهل من عبق تونس، ولو رشفة واحدة، أردت زيارة معلمة من معالم تونس العاصمة، لأحمل معي في جعبتي حكاية من حكايات هده الأرض الطيبة، علني أجد شيئا مما علق بذاكرتي من ذكر تونس في طفولتي
اقترح سائق التاكسي زيارة للمدينة العتيقة، وهنا، أدركت أن تونس لم يسطع نجمها فقط بمعالمها و تاريخها وأماكنها الشهيرة وزرقة سمائها، بل بأهلها، فالإنسان من يكتب تاريخ وطنه، دون أن يأبه بدلك، فقد كان هدا الشاب سفيرا مميزا لتونس حيث ظل يحكي طوال الطريق عن جمالها و كأنه متيم، لينتقل إلى طيب الأكل ثم إلى كرة القدم ليعود بنا إلى الثورة، فيحدثنا عن تمر الدكلة و الهريسة و يعود مرة أخرى للحديث عن كرة القدم، ليتبعه بالفن..عفوية نادرة جعلته يقفز من فكرة لأخرى دون تمهيد،لكنها تحمل صدق النوايا، لأنه علم بضيق الوقت ، شعر بلهفتنا لاكتشاف المدينة، وأحب أن يشبع فضولنا بما استطاع، فلم نشعر بالطريق، و لا بالزحام و صخب الشوارع التي مررنا بها
وصلنا أخيرا للمدينة العتيقة، مكان توقف فيه زمن، ليحتله زمن جديد دون أن ينغمس فيه، و كأن للماضي هيبة لا يستطيع الحاضر أن يمحوها لكنه يجور عليها، و يأبى هدا الماضي إلا أن يقف شامخا بكل عنفوان كأسوار جامع الزيتونة وأبوابها التسعة و كأنها جنود تحرس هوية و تاريخ البلد حتى لا ينسى من يكون ، والزقاق الذي يخفي بين ثناياه مقاهي بطابع عُثماني قديم تنبعث منها راُئحة القهوة، والشاي بنكهة العنبر الزكية، تشتهي نفسك و أنت تمر بهدا الزقاق أن تطرح ما بيدك أرضا، و أن تسكت عقلك المشغول بالمواعيد و الالتزامات لبرهة، و تتخذ لك كرسيا على طاولة إحدى المقاهي، و تنتشي و أنت تشرب فنجان قهوة شرقية، و تستمع للقصص التي يرويها لك المكان، يرويها لك وحدك، وتسمعها بداخلك، لا تميز فيها بين الحروف و الكلمات، لأن لها معنى يفوق كل الحروف و كل الكلمات و أنت تدركه و لا تدري كيف…تدركه لأننا، رغم كل ما قد يبدو جليا كاختلاف بين الشعوب ، فنحن في حقيقة الأمر لا نختلف عن بعضنا في شيء، ما دامت تجمعنا إنسانيتنا
